بقلم ا.د. عصام قمر
أستاذ أصول التربية بالمركز القومي للبحوث التربوية والتنمية، و الرئيس الأسبق للهيئة العامة لتعليم الكبار.
في مشهد يعيد إلى الواجهة واحدة من أكثر قضايا الملكية الفكرية إثارة للجدل في الأوساط الثقافية المصرية، تتجه الأنظار إلى ما آلت إليه تطورات النزاع القضائي المتعلق باتهام وزيرة الثقافة جيهان زكي بالتعدي على حقوق مؤلفة أخرى، وذلك بعد التوصية برفض الطعن المقدم منها أمام محكمة النقض، في خطوة تعزز الحكم الصادر سابقًا ضدها وتفتح بابًا واسعًا للنقاش حول حدود الاقتباس المشروع وأخلاقيات الكتابة.
تعود تفاصيل القضية إلى دعوى أقامتها الكاتبة سهير محمد عبد الحميد، تتهم فيها الوزيرة بنقل أجزاء من عملها الأدبي ضمن مؤلف صدر لاحقًا باسم الوزيرة، وهو ما اعتبرته اعتداءً صريحًا على حقها الفكري. وقد كشفت أوراق الدعوى، مدعومة بتقارير خبراء متخصصين، عن وجود تشابهات تتجاوز مجرد التلاقي في الأفكار العامة، لتصل — بحسب تلك التقارير — إلى نقل نصوص كاملة وبناءات تحليلية متطابقة.
وكانت المحكمة الاقتصادية قد أصدرت حكمًا بإدانة الوزيرة، وقضت بإلزامها بدفع تعويض مالي وسحب العمل محل النزاع من التداول، مستندة في ذلك إلى تقرير فني أكد وقوع التعدي على المصنف الأصلي بشكل لا يندرج ضمن حدود الاقتباس المسموح بها قانونًا. الحكم لم يكن مجرد فصل في نزاع فردي، بل حمل دلالة أوسع تتعلق بتشديد الحماية القانونية للإبداع في مواجهة أي تجاوز.
وعلى الرغم من لجوء الوزيرة إلى الطعن أمام محكمة النقض، استنادًا إلى دفوع أبرزها أن ما ورد في عملها يندرج ضمن الاقتباس المشروع مع الإشارة إلى المصادر، فإن مذكرة النيابة انتهت إلى توصية برفض الطعن، مؤكدة أن الإشارة إلى المصدر لا تبرر النقل إذا تجاوز حدوده، وأن تقدير مدى هذا التجاوز يخضع لسلطة محكمة الموضوع طالما استند إلى أسباب فنية سليمة.
هذا التطور يعيد طرح تساؤلات عميقة حول الفاصل الدقيق بين التأثر المشروع والنسخ غير المشروع، خاصة في ظل تشابك الإنتاج الثقافي وتداخل مصادر المعرفة. كما يسلط الضوء على مسؤولية الشخصيات العامة، لا سيما تلك التي تتولى قيادة المؤسسات الثقافية، في الالتزام الصارم بقواعد الأمانة الفكرية، ليس فقط بوصفها التزامًا قانونيًا، بل باعتبارها معيارًا أخلاقيًا يعكس مصداقية الخطاب الثقافي برمته.
وبينما تترقب الأوساط القانونية والثقافية الكلمة النهائية لـ محكمة النقض، تظل القضية نموذجًا دالًا على أن حماية الملكية الفكرية لم تعد مسألة هامشية، بل أصبحت في صميم معركة الحفاظ على قيمة الإبداع، في زمن تتزايد فيه التحديات أمام أصالة المنتج الثقافي وحدوده القانونية.

