بقلم: أ. د. نوال أوتيلي – مسؤولة مركز دعم التكنولوجيا والابتكار (TISC)
جامعة قسنطينة 3 صالح بوبنيدر – الجزائر
============
في ظل التحولات التي يشهدها قطاع التعليم العالي والبحث العلمي، لم تعد الملكية الفكرية مجرد منظومة قانونية لحماية الإبتكارات، بل أصبحت ركيزة أساسية لحوكمة الإبتكار داخل الجامعات. غير أن نجاح هذه المنظومة لا يتحقق بسنّ القوانين والسياسات فحسب، وإنما يرتبط بترسيخ ثقافة أخلاقية تجعل النزاهة والشفافية والعدالة والمسؤولية أساسًا لجميع مراحل البحث العلمي والإبتكار، من ميلاد الفكرة إلى تثمينها ونقلها إلى المجتمع.
&الملكية الفكرية… إمتداد طبيعي للأخلاق
============
عندما يُذكر مصطلح الملكية الفكرية، يتبادر إلى الذهن مباشرة تسجيل براءة إختراع، أو حماية علامة تجارية، أو حفظ حقوق المؤلف. غير أن هذا التصور، على أهميته، يختزل الملكية الفكرية في بعدها القانوني والإجرائي فقط. فالملكية الفكرية ليست مجرد منظومة من الحقوق والقوانين، بل هي قبل كل شيء منظومة تقوم على قيم النزاهة، والأمانة العلمية، والعدل، والمسؤولية، وإحترام جهود الآخرين.
ومن هذا المنطلق، فإن بناء ثقافة حقيقية للملكية الفكرية داخل الجامعات لا يبدأ بإيداع أول براءة إختراع، وإنما يبدأ بترسيخ ثقافة أخلاقية تجعل إحترام الفكر والإبداع سلوكًا يوميًا لدى الباحث والأستاذ والطالب، وتحوّل الملكية الفكرية من مجرد إجراءات قانونية إلى ثقافة مؤسساتية راسخة.
فالقانون يحدد الحقوق والواجبات، لكنه لا يستطيع وحده أن يبني الثقة بين الباحثين أو أن يرسخ ثقافة الإبتكار. فهو يحدد ما يجوز وما لا يجوز، بينما تحدد الأخلاق ما ينبغي فعله حتى في غياب النص القانوني.
فالاعتراف بالمخترعين الحقيقيين، وإحترام حقوق المؤلف، والحفاظ على سرية نتائج البحث قبل حمايتها، وعدم إستغلال أفكار الطلبة أو الباحثين، كلها ممارسات أخلاقية قبل أن تكون إلتزامات قانونية.
ومن هنا، يمكن القول إن الملكية الفكرية ليست منفصلة عن الأخلاق، بل تمثل إمتدادها القانوني، لأنها تهدف إلى حماية الإبداع في إطار من العدالة والإنصاف والاحترام المتبادل.
&من أخلاقيات البحث العلمي إلى الملكية الفكرية الأخلاقية
=======
ترتكز أخلاقيات البحث العلمي على مبادئ أساسية، من أهمها النزاهة، والأمانة العلمية، والموضوعية، والشفافية، والمسؤولية، وإحترام حقوق الآخرين، والسرية، والإفصاح عن تضارب المصالح. وهذه المبادئ نفسها تشكل الأساس الذي تقوم عليه منظومة الملكية الفكرية.
فالنزاهة العلمية تقتضي نسبة الأفكار والإبتكارات إلى أصحابها الحقيقيين، والأمانة العلمية تمنع الإنتحال والإستيلاء على أعمال الآخرين، والعدالة تفرض الإعتراف بجميع المساهمين الحقيقيين في الإختراع أو الإبتكار، بينما تضمن المسؤولية حماية نتائج البحث قبل الكشف عنها، بما يحفظ حقوق الباحثين والمؤسسات.
وعليه، فإن إحترام الملكية الفكرية ليس مجرد إمتثال للنصوص القانونية، بل هو إنعكاس مباشر لإلتزام الباحث بقيم البحث العلمي الرصين.
وفي هذا السياق، يمكن إعتبار مفهوم “الملكية الفكرية الأخلاقية” مقاربة متكاملة لإدارة الملكية الفكرية، تقوم على دمج مبادئ الأخلاق، والنزاهة، والشفافية، والعدالة، والمسؤولية في جميع مراحل دورة حياة الإبتكار، إبتداءً من نشأة الفكرة، مرورًا بالبحث والتطوير، ثم حماية النتائج وتثمينها، وإنتهاءً بنقل التكنولوجيا والإستغلال الإقتصادي، بما يضمن إحترام حقوق جميع الأطراف، ويعزز الثقة داخل منظومة الإبتكار.
فالملكية الفكرية الأخلاقية هي رؤية متكاملة تجعل من المبادئ الأخلاقية مرجعًا يحكم جميع القرارات والممارسات المرتبطة بإدارة الأصول الفكرية داخل الجامعة.
&السياسة الوطنية للملكية الفكرية… إطار للحوكمة الأخلاقية
============
يشكل النموذج الوطني لسياسة الملكية الفكرية لمؤسسات التعليم العالي والبحث العلمي، الذي أطلقته وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، في الجزائر محطة مفصلية في مسار تنظيم إدارة الملكية الفكرية داخل الجامعات الجزائرية، بإعتباره إطارًا مؤسساتيًا يهدف إلى تعزيز حماية الإبتكارات وتثمينها، وتشجيع نقل التكنولوجيا، وترسيخ ثقافة الإبتكار.
وقد يُعتقد أن وجود سياسة جامعية للملكية الفكرية، إلى جانب المنظومة التشريعية والتنظيمية الخاصة بحماية حقوق الملكية الفكرية، كفيل بضمان حقوق المبدعين والباحثين داخل الجامعة. غير أن الواقع يثبت أن النصوص القانونية، مهما بلغت درجة دقتها، لا تكفي وحدها لبناء بيئة جامعية قائمة على الثقة والعدالة وإحترام الإبداع.
فإلى جانب السياسة الوطنية للملكية الفكرية، يشكل ميثاق الآداب والأخلاقيات الجامعية (أوت 2023)، إلى جانب النصوص التنظيمية المتعلقة بالوقاية من الإنتحال ومكافحته، منظومة متكاملة لترسيخ ثقافة أخلاقية تحكم العلاقات بين جميع الفاعلين داخل الجامعة، من طلبة وأساتذة وباحثين وإداريين، وصولًا إلى الشركاء الاقتصاديين والاجتماعيين.
ورغم أن السياسة الوطنية تتضمن إجراءات تتعلق بالإفصاح عن الابتكارات، وحماية الحقوق، وتقاسم العوائد، وتسوية النزاعات، فإن جوهرها الحقيقي يقوم على مبادئ أخلاقية تتمثل في الشفافية، والإنصاف، وإحترام حقوق جميع الأطراف، وتحديد المسؤوليات بوضوح.
ومن هذا المنظور، فإن سياسة الملكية الفكرية ليست مجرد وثيقة تنظيمية، بل تمثل إطارًا للحوكمة الرشيدة، يعزز الثقة داخل الجامعة، ويشجع على الإبتكار والتعاون، ويترجم المبادئ الأخلاقية إلى آليات وإجراءات عملية تضمن حماية المعرفة وتثمينها، بما يخدم الجامعة والمجتمع معًا.
&الملكية الفكرية الأخلاقية عبر مسار نقل التكنولوجيا
===============
تكتسب الملكية الفكرية الأخلاقية أهمية خاصة في مسار نقل التكنولوجيا، الذي يبدأ بفكرة قد تتحول إلى إختراع أو إبتكار ذي قيمة إقتصادية ومجتمعية.
فمنذ اللحظة الأولى التي يولد فيها الإبتكار، يصبح إحترام مبادئ الملكية الفكرية والأخلاقيات المهنية مسؤولية مشتركة بين جميع المتدخلين في هذا المسار، إبتداءً من صاحب الفكرة، مرورًا بفريق البحث، والمشرفين، والجامعة، وشركاء البحث والتطوير، وصولًا إلى المستثمرين والمؤسسات الاقتصادية.
ويبدأ هذا المسار داخل الجامعة من خلال التصريح بالابتكار لدى مركز دعم التكنولوجيا والإبتكار (TISC)، قبل المرور بمراحل البحث في البراءات، وتقييم قابلية الحماية، وحماية النتائج، ثم تثمينها ونقلها نحو المحيط الإقتصادي.
غير أن نجاح هذه المراحل لا يعتمد فقط على الإجراءات التقنية والقانونية، وإنما يرتبط أيضًا بممارسات أخلاقية ترافق دورة الإبتكار بأكملها، مثل إحترام السرية قبل الإيداع، والإعتراف العادل بجميع المساهمين، والإفصاح عن تضارب المصالح، وإحترام الإتفاقيات، والإستعمال المسؤول للمعارف والموارد، والإلتزام بالشفافية والصدق العلمي في جميع مراحل التطوير والتثمين.
ومن هذا المنطلق، فإن الملكية الفكرية لا تمثل مجرد وسيلة لحماية الإبتكار، بل تمثل أيضًا حماية للثقة التي يقوم عليها الإبتكار.
إذا كانت الجامعة هي الحاضنة الأولى للإبداع والإبتكار، فإن العلاقة بين الأستاذ المشرف وطالبه تمثل المدرسة الأولى لترسيخ أخلاقيات الملكية الفكرية.
ففي هذه العلاقة تتشكل قيم الثقة، والإحترام المتبادل، والأمانة العلمية، والإعتراف بالمساهمات الفكرية، والإنصاف في تحديد صفة المخترعين وأصحاب الحقوق.
وعندما تقوم هذه العلاقة على الحوار والشفافية والإحترام، فإنها تهيئ بيئة مواتية للإبداع والإبتكار المسؤول، وتجنب الكثير من النزاعات المرتبطة بنسبة الأفكار أو نتائج الأبحاث أو براءات الإختراع.
ولا يقتصر الأمر على العلاقة بين الأستاذ وطلبته، بل يمتد أيضًا إلى العلاقة بين مسؤول المشروع وأعضاء فريق البحث، وبين الجامعة وشركائها، حيث ينبغي أن تقوم جميعها على مبادئ العدالة والشفافية والإحترام المتبادل، بإعتبارها الأساس الحقيقي لأي منظومة ناجحة للملكية الفكرية.
&الأخلاقيات الرقمية والذكاء الاصطناعي… تحديات جديدة أمام الملكية الفكرية
================
في ظل التحول الرقمي المتسارع الذي تشهده مؤسسات التعليم العالي، أحدثت تطبيقات الذكاء الإصطناعي التوليدي تحولًا كبيرًا في بيئة البحث العلمي، وأصبحت توفر إمكانات واسعة في البحث والكتابة والتحليل وإدارة المعرفة.
غير أن هذه الإمكانات تفرض، في المقابل، مسؤوليات أخلاقية جديدة تتعلق بالتحقق من صحة المعلومات، وإحترام حقوق المؤلف، وحماية البيانات، والحفاظ على سرية المعلومات، والشفافية في إستخدام أدوات الذكاء الإصطناعي.
ولذلك أولي ميثاق الآداب والأخلاقيات الجامعية (أوت 2023) أهمية خاصة للأخلاقيات الرقمية، بإعتبارها أحد الأسس الضرورية لمواكبة التحول الرقمي داخل قطاع التعليم العالي، حيث دعا إلى إحترام خصوصية البيانات، وحماية الملكية الفكرية، والمساهمة في تطوير أطر وآليات للحوكمة الأخلاقية للذكاء الاصطناعي.
فالذكاء الإصطناعي لا يعفي الباحث من مسؤوليته العلمية، بل يزيدها، لأن التكنولوجيا تظل أداة مساعدة للإبداع، ولا يمكن أن تكون بديلًا عن النزاهة العلمية أو عن الفكر الإنساني المسؤول.
فالغاية النهائية للملكية الفكرية ليست حماية الحقوق فحسب، وإنما تحويل المعرفة إلى منفعة للمجتمع في إطار من المسؤولية والعدالة والأخلاق. فإذا كانت الأخلاقيات تحمي القيم، فإن الملكية الفكرية تحمي ثمار تلك القيم، ولا يمكن لأي منظومة إبتكار أن تحقق أثرًا مستدامًا ما لم تجعل من الأخلاق أساسًا لحوكمة الملكية الفكرية منذ ميلاد الفكرة إلى غاية وصولها إلى المجتمع.

