د.فتحي عامر
========
في القاهرة، وعلى مدى يومين، لم يكن الحديث عن الملكية الفكرية مجرد حديث عن قوانين ومواد وبنود، وإنما كان حديثا عن المستقبل نفسه.. عن الإنسان حين يكتشف دواء جديدا، وعن الباحث حين يستعين بالذكاء الاصطناعي، وعن المريض الذي ينتظر أن يصل إليه ثمر هذا العلم دون أن يتحول الابتكار إلى باب مغلق أمامه.
هكذا جاء المؤتمر العربي الخامس للملكية الفكرية تحت عنوان «أثر حماية حقوق الملكية الفكرية على القطاع الصحي في عصر الذكاء الاصطناعي»، بمشاركة عربية ودولية واسعة، وبحضور جمعية الإمارات للملكية الفكرية، التي كان لها حضور واضح في المؤتمر، إلى جانب نخبة من الخبراء والمتخصصين والباحثين.
ولعل المقارنة هنا تفرض نفسها مع التجربة الإماراتية في تنظيم فعاليات الملكية الفكرية؛ حيث بدا الحضور العربي للجمعيات والجهات المتخصصة في القاهرة أقرب إلى صورة عربية جماعية، تتجاوز حدود الدولة الواحدة، وتفتح الباب أمام تبادل الدراسات والأبحاث والخبرات.
والأجمل أن المؤتمر لم يكتف بالكلمات الاحتفالية، وإنما جعل البحث والفكر في قلب المشهد، فناقش براءات اختراع الأدوية والأجهزة الطبية، واستخدام البيانات والمصنفات في تدريب أنظمة الذكاء الاصطناعي، ومسؤولية المطور والمستخدم، ومن يملك الابتكار عندما تصبح الآلة شريكًا في إنتاج المعرفة.
وهنا تكمن قيمة مثل هذه اللقاءات العربية.. أن نجلس معًا قبل أن تفرض التكنولوجيا أسئلتها علينا دون أن نملك إجابات.
فالذكاء الاصطناعي لن ينتظر القوانين، والابتكار الصحي لن يتوقف حتى ننتهي من خلافاتنا. ولذلك فإن حماية الملكية الفكرية لا ينبغي أن تكون جدارًا يحجب الدواء عن المريض، ولا أن تكون حماية الابتكار ذريعة لإغلاق أبواب المعرفة، وإنما طريقا يوازن بين حق المبدع وحق المجتمع.
هذه هي الرسالة الأهم التي خرجت بها القاهرة: أن مستقبل الصحة والدواء والذكاء الاصطناعي يحتاج إلى تشريع عربي بقدر ما يحتاج إلى عقل عربي قادر على الابتكار.
*استاذ الإعلام الرقمي بجامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا

