أختتم المؤتمر العربي الخامس للملكية الفكرية أعماله في القاهرة بعد مناقشات ركزت على واحدة من أكثر القضايا ارتباطًا بمستقبل الابتكار، وهي العلاقة بين حماية حقوق الملكية الفكرية والقطاع الصحي في ظل التطور المتسارع لتطبيقات الذكاء الاصطناعي.
وانعقد المؤتمر تحت عنوان «أثر حماية حقوق الملكية الفكرية على القطاع الصحي في عصر الذكاء الاصطناعي»، بتنظيم المنظمة العربية للتنمية الإدارية – جامعة الدول العربية، بالتعاون مع جمعية الإمارات للملكية الفكرية والجامعة المصرية اليابانية للعلوم والتكنولوجيا، خلال الفترة من 22 إلى 24 سبتمبر 2026 بالقاهرة.
واختُتمت أعماله بإصدار «إعلان القاهرة 2026 للملكية الفكرية»، الذي دعا، من بين ما تضمنه، إلى تحديث تشريعات الملكية الفكرية الوطنية بما يستوعب التطورات المتسارعة في تطبيقات الذكاء الاصطناعي، وتعزيز حماية الابتكار الصحي مع مراعاة اعتبارات الصحة العامة وإتاحة الأدوية واللقاحات والتقنيات الصحية.
الذكاء الاصطناعي والابتكار الصحي
أصبح الذكاء الاصطناعي حاضرًا بصورة متزايدة في البحث العلمي واكتشاف الأدوية وتطوير المستحضرات وتحليل البيانات وتصميم التقنيات والحلول الطبية، بما يفتح آفاقًا جديدة أمام البحث والتطوير ويسهم في تسريع العديد من مراحله. وقد كان هذا التحول في صميم المناقشات التي شهدها المؤتمر، خاصة في ضوء ما يفرضه من حاجة إلى مواكبة تشريعية وتنظيمية متقدمة.
وفي المقابل، يثير هذا التطور تساؤلات قانونية مهمة تتعلق بملكية الابتكارات والمخرجات التي يسهم الذكاء الاصطناعي في تطويرها، وحدود المساهمة البشرية، وطبيعة الحماية القانونية المناسبة، ومدى انطباق براءات الاختراع أو حقوق المؤلف أو الأسرار التجارية وغيرها من أدوات حماية الملكية الفكرية بحسب طبيعة كل ابتكار.
وتكتسب هذه المسائل أهمية خاصة في القطاع الصحي؛ إذ تتطلب الأدوية والتقنيات والأجهزة الطبية في كثير من الأحيان سنوات من البحث والتطوير واستثمارات كبيرة قبل وصولها إلى السوق. ومن ثم تمثل الحماية الفعالة للملكية الفكرية عنصرًا مهمًا في تشجيع الابتكار والاستثمار، مع ضرورة تحقيق التوازن بين حماية الحقوق وتشجيع البحث والتطوير من ناحية، واعتبارات الصحة العامة وإتاحة الدواء والتكنولوجيا الطبية من ناحية أخرى؛ وهي معادلة برزت بوضوح في مناقشات المؤتمر.
مؤتمر يجمع الخبرات العربية والدولية
ومن أكثر ما لفت انتباهي في المؤتمر تنوع الجهات والتخصصات والخبرات التي اجتمعت تحت مظلة واحدة؛ إذ جمع ممثلين عن الجهات الحكومية والتنظيمية، والقطاع الصحي والدوائي، والقضاء، والجامعات والبحث العلمي، والممارسين والمتخصصين في الملكية الفكرية، إلى جانب خبرات عربية ودولية.
وشهد المؤتمر مشاركة عدد من كبار المسؤولين والخبراء، من بينهم الدكتور ناصر الهتلان القحطاني، المدير العام للمنظمة العربية للتنمية الإدارية – جامعة الدول العربية؛ والأستاذ الدكتور هشام محمود عزمي، رئيس مجلس إدارة الجهاز المصري للملكية الفكرية؛ والأستاذ الدكتور علي الغمراوي، رئيس هيئة الدواء المصرية؛ واللواء الدكتور عبد القدوس عبد الرزاق العبيدلي، رئيس مجلس إدارة جمعية الإمارات للملكية الفكرية ورئيس الاتحاد العربي للملكية الفكرية؛ والدكتور توشيو فوكودا (Toshio Fukuda)، نائب رئيس الجامعة المصرية اليابانية للعلوم والتكنولوجيا للبحث العلمي.
كما شاركت الدكتورة منى يحيى، نائب رئيس الجهاز المصري للملكية الفكرية؛ والمستشار شريف مجدي فتح الله، نائب رئيس مجلس الدولة والمستشار القانوني لرئيس هيئة الدواء المصرية؛ والدكتورة نورة عبد العال، رئيس قسم تنظيم الوسائل الطبية بمؤسسة الإمارات للدواء، ضمن الجلسة التي تناولت حماية حقوق الملكية الفكرية في القطاع الصحي في عصر الذكاء الاصطناعي والتحديات والتوجهات الدولية.
وأضفى الحضور الدولي بُعدًا إضافيًا على المناقشات؛ إذ شارك السيد تايسوكي غوتو (Taisuke Goto)، مدير الملكية الفكرية لمنطقة الشرق الأوسط وأفريقيا بمكتب منظمة التجارة الخارجية اليابانية (JETRO) في دبي، والأستاذة رشا حمدي عبد المجيد، أخصائي شؤون الملكية الفكرية لدول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بمكتب براءات الاختراع والعلامات التجارية الأمريكي (USPTO)، في جلسة خُصصت للتعاون الإقليمي والدولي في حماية الملكية الفكرية.
وفي تقديري، كانت هذه التركيبة المتنوعة إحدى أهم نقاط قوة المؤتمر؛ لأنها جمعت في حوار واحد القطاع العام والقطاع الخاص، والقطاع الصحي والدوائي، والقضاء والممارسين القانونيين، والبحث العلمي والمتخصصين في الملكية الفكرية، إلى جانب خبرات عربية ودولية.
وقد أتاح هذا التنوع تبادل المعرفة والتجارب والممارسات بين أنظمة وثقافات قانونية ومهنية مختلفة، والنظر إلى العلاقة بين الذكاء الاصطناعي والابتكار الصحي والملكية الفكرية من زوايا متعددة ومتكاملة.
وهذا النوع من الحوار مهم بصورة خاصة؛ لأن حماية الابتكار الصحي لم تعد مسؤولية طرف واحد، وإنما أصبحت منظومة متكاملة تبدأ بالبحث والتطوير، وتمر بالتنظيم والحماية القانونية والاستثمار، وصولًا إلى طرح المنتج أو التقنية في السوق وإنفاذ الحقوق المرتبطة بها.
دور القانون في حماية الابتكار
من الناحية القانونية، أرى أن التطور السريع للذكاء الاصطناعي لا يقلل من أهمية القانون، بل يجعل الحاجة إليه أكثر إلحاحًا. فكلما تطورت أدوات البحث والابتكار، ازدادت الحاجة إلى قواعد واضحة تحدد صاحب الحق وطبيعة الحماية ونطاقها والمسؤولية وآليات الإنفاذ.
وفي القطاع الصحي تحديدًا، تزداد دقة هذه المعادلة؛ إذ يتعين تشجيع البحث والتطوير وحماية الابتكارات والاستثمارات، مع مراعاة الصحة العامة وإتاحة الأدوية والتقنيات الطبية.
ومن واقع الممارسة، فإن الحماية القانونية للابتكار لا تبدأ عند التسجيل ولا تنتهي بالحصول على براءة اختراع أو شهادة تسجيل، بل تبدأ منذ نشأة الفكرة، وتستمر خلال مراحل تطويرها وحمايتها واستثمارها، وصولًا إلى السوق، ثم الدفاع عنها وإنفاذها عند وقوع التعدي.
ومن هنا يحتاج عصر الذكاء الاصطناعي إلى منظومة قانونية مرنة وفعالة تستطيع مواكبة التطور التكنولوجي، وتوفر للمبتكر والمستثمر قدرًا كافيًا من الوضوح والثقة، مع الحفاظ في الوقت ذاته على التوازن بين حقوق أصحاب الابتكارات والمصلحة العامة.
مشاركة شركة الخدمات المتحدة للعلامات التجارية وبراءات الاختراع
وشاركت شركة الخدمات المتحدة للعلامات التجارية وبراءات الاختراع في المؤتمر بصفتها الراعي الفضي، دعمًا لهذا الحوار المهني حول مستقبل الملكية الفكرية والابتكار الصحي والذكاء الاصطناعي. وقد أكدت الشركة رسميًا مشاركتها بهذه الصفة في المؤتمر.
وتأتي هذه المشاركة امتدادًا لمسيرة الشركة التي بدأت منذ تأسيسها عام 1949؛ حيث تعمل اليوم من خلال شبكة تضم أكثر من عشرين مكتبًا، وتقدم خدماتها في أسواق الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب آسيا.
وتغطي خدمات الشركة مختلف مراحل دورة حياة حقوق الملكية الفكرية، بما في ذلك العلامات التجارية وبراءات الاختراع وحقوق المؤلف والتصميمات، إلى جانب التسجيل والإنفاذ والتقاضي والترخيص ونقل التكنولوجيا وغيرها من الخدمات المرتبطة بحماية وإدارة حقوق الملكية الفكرية.
كما تحرص الشركة على المشاركة في الفعاليات والمؤتمرات المهنية، ومواكبة التطورات القانونية والتكنولوجية، وتبادل الخبرات والتعاون المهني مع الجهات المعنية ومكاتب الملكية الفكرية والمؤسسات والمتخصصين، بما يعزز الحوار حول تطوير منظومة حماية الملكية الفكرية في مصر والمنطقة.
من إعلان القاهرة إلى المستقبل
وبالنسبة لي، كان المؤتمر نموذجًا مهمًا لما يمكن أن يحققه التعاون وتبادل الخبرات بين الجهات الوطنية والعربية والدولية عندما تجتمع الخبرة القانونية مع الرؤية التنظيمية والبحث العلمي واحتياجات القطاع الصحي والدوائي.
ومن خلال خبرة مهنية تمتد لأكثر من خمسة عشر عامًا في مجال الملكية الفكرية، وعملي في العلامات التجارية وبراءات الاختراع والحماية والإنفاذ والمنازعات، إلى جانب عضويتي في لجنة ممارسات مكاتب العلامات التجارية بالجمعية الدولية للعلامات التجارية للفترة 2026–2027، أرى أن هذا النوع من الحوار أصبح ضرورة في ظل السرعة التي تتطور بها التكنولوجيا وتشابك الأسواق والحقوق.
إن مستقبل الذكاء الاصطناعي في القطاع الصحي لن يتحدد فقط بمدى تقدم التكنولوجيا، وإنما أيضًا بمدى قدرة الأطر القانونية والتنظيمية على مواكبتها، وحماية الابتكار، وتحديد الحقوق والمسؤوليات، وتحقيق التوازن بين مصالح أصحاب الحقوق والمصلحة العامة.
ومن هنا تأتي أهمية «إعلان القاهرة 2026 للملكية الفكرية»؛ فالقيمة الحقيقية للإعلان لا تتوقف عند التوصيات التي خرج بها المؤتمر، وإنما تبدأ من ترجمتها إلى خطوات عملية تسهم في تطوير التشريعات والممارسات، وتعزيز التعاون بين الجهات المعنية، وبناء منظومة ملكية فكرية أكثر قدرة على التعامل مع تحديات الذكاء الاصطناعي والابتكار الصحي.
فالابتكار يحتاج إلى بيئة تشجعه، والاستثمار يحتاج إلى حماية تمنحه الثقة، والقطاع الصحي يحتاج إلى إطار قانوني يوازن بين حماية الابتكار وحق المجتمع في الاستفادة من التطور العلمي والتكنولوجي.
وإذا كان «إعلان القاهرة 2026 للملكية الفكرية» قد رسم ملامح الطريق، فإن التحدي الحقيقي يبدأ من تحويل هذه الرؤية إلى تشريعات وممارسات وآليات حماية فعالة تواكب المستقبل، وتحمي الابتكار منذ نشأة الفكرة وحتى وصوله إلى السوق
============
& الكاتبة: محامية بالاستئناف العالي ومجلس الدولة
وكيلة معتمدة لبراءات الاختراع والعلامات التجارية

