بقلم: أ. د. نوال أوتيلي مسؤولة مركز دعم التكنولوجيا والابتكار بجامعة قسنطينية .الجزائر
تشهد منظومة الملكية الفكرية في الجزائر خلال السنوات الأخيرة حركية متسارعة تعكس إرادة مؤسساتية واضحة لجعل البحث العلمي الجامعي رافعة حقيقية للتنمية الاقتصادية. وقد تجسدت هذه الديناميكية مؤخراً بالإطلاق الرسمي للنموذج الوطني لسياسة الملكية الفكرية لمؤسسات التعليم العالي المُعَدّ بدعم من المنظمة العالمية للملكية الفكرية (الويبو) ووفقًا لمبادئها التوجيهية. ويعد هذا النموذج الوطني محطة مفصلية في مسار تطوير حوكمة الابتكار داخل المؤسسات الجامعية الجزائرية.
خطوة استراتيجية نحو مؤسسات جامعية أكثر ابتكاراً
في السادس والعشرين من فبراير 2026، أشرف وزير التعليم العالي والبحث العلمي، الأستاذ الدكتور كمال بداري، بالعاصمة الجزائر، على الإطلاق الرسمي لهذا النموذج الوطني، بحضور مدير المكتب الخارجي للمنظمة العالمية للملكية الفكرية (الويبو) في الجزائر.
ويهدف هذا النموذج إلى إرساء إطار موحد لتنظيم إدارة الملكية الفكرية داخل مؤسسات التعليم العالي، من خلال وضع إجراءات واضحة وعادلة تكفل حماية حقوق الباحثين والمؤسسات، وتعزز حماية الابتكارات الجامعية وتثمينها اقتصادياً، إلى جانب دعم آليات نقل التكنولوجيا.
وقد أُعِدَّ هذا النموذج الوطني من قبل فريق من الخبراء في مجال الملكية الفكرية والابتكارمن مؤسسات التعليم العالي والبحث العلمي، تحت إشراف المديرية العامة للبحث العلمي والتطوير التكنولوجي، وبمشاركة المعهد الوطني الجزائري للملكية الصناعية (INAPI) والديوان الوطني لحقوق المؤلف والحقوق المجاورة (ONDA)، وبدعم فني ومرافقة من المنظمة العالمية للملكية الفكرية (الويبو)، بما يضمن مواءمة الممارسات الوطنية مع المعايير الدولية في إدارة الأصول غير المادية، مع مراعاة خصوصيات منظومة التعليم العالي والبحث العلمي والسياق الجزائري.
البحث العلمي في خدمة التنمية الاقتصادية
يندرج هذا التوجه ضمن الاستراتيجية الوطنية الرامية إلى تعزيز الابتكار وريادة الأعمال الجامعية، والتي شهدت خلال السنوات الأخيرة عدداً من المبادرات الهيكلية، من أبرزها:
* استحداث القرار الوزاري رقم 1275 المؤرخ في 27 سبتمبر 2022، المتعلق بآلية “شهادة جامعية – مؤسسة ناشئة – براءة اختراع”، والمعدل والمتمم بالقرار رقم 008 المؤرخ في 23 فبراير 2025، والذي يهدف إلى مرافقة خريجي مؤسسات التعليم العالي في تثمين وتحويل مشاريع تخرجهم إلى مؤسسات اقتصادية ومبتكرة.
* تعميم إنشاء مراكز دعم التكنولوجيا والابتكار (TISC) عبر مختلف مؤسسات التعليم العالي والبحث العلمي الجزائرية.
وتمتلك الجزائراليوم واحدة من أكبر شبكات مراكز دعم التكنولوجيا والابتكار على المستوى العالمي، وهو ما يشكل قاعدة أساسية لنشر ثقافة الملكية الفكرية داخل مؤسسات التعليم العالي.
جولات وطنية لتعميم النموذج الوطني لسياسة الملكية الفكرية عبر الندوات الجهوية لجامعات الشرق والغرب والوسط
عقب الإطلاق الرسمي للنموذج الوطني، نظمت المديرية العامة للبحث العلمي والتطوير التكنولوجي DGRSDT، بالتنسيق مع المكتب الخارجي للويبو في الجزائر، حملة وطنية واسعة للنشر والتوعية، شملت سلسلة من الملتقيات الجهوية على مستوى الندوات الجهوية للشرق والغرب والوسط، واستهدفت بالدرجة الأولى نواب مديري الجامعات المكلفين بالبحث العلمي ومسؤولي مراكز دعم التكنولوجيا والابتكار لمؤسسات التعليم العالي.
وهدفت هذه اللقاءات إلى شرح آليات تطبيق سياسة الملكية الفكرية داخل المؤسسات الجامعية، وتوضيح الأدوار المنتظرة من مختلف الفاعلين في هذا المجال.
وقد أشرف على هذه الدورات فريق الخبراء الذي ساهم في إعداد النموذج الوطني، بمشاركة مختصين من المعهد الوطني الجزائري للملكية الصناعية (INAPI)، الديوان الوطني لحقوق المؤلف والحقوق المجاورة (ONDA)، اضافة إلى مشاركة خبراء المنظمة العالمية للملكية الفكرية عن بعد.
كما تناولت عدة مداخلات دور الملكية الفكرية كأداة لدعم الابتكار، وأهمية مراكز دعم التكنولوجيا والابتكار باعتبارها أحد المحاور الأساسية في هذا النظام البيئي. وعلى هامش هذه اللقاءات، نُظمت ورشات تدريبية لفائدة مسؤولي المراكز، ركزت على تقنيات البحث في قواعد بيانات البراءات وأساليب إعداد وصياغة طلبات براءات الاختراع.
مراكز دعم التكنولوجيا والابتكار… ركيزة أساسية في المنظومة الجديدة
أصبحت مراكز دعم التكنولوجيا والابتكار اليوم إحدى الركائز الاستراتيجية في البنية الجديدة للابتكار الجامعي في الجزائر.
وتندرج هذه الواجهات الجامعية ضمن البرنامج الدولي لمراكز دعم التكنولوجيا والابتكار الذي تشرف عليه المنظمة العالمية للملكية الفكرية، حيث توفر للباحثين والطلبة خدمات ومرافقة متخصصة لتعزيز قدراتهم في مجال الملكية الفكرية، بما يسهم في حماية مخرجات البحث العلمي وتثمينها وتحويلها إلى قيمة اقتصادية واجتماعية.
شعار شبكة TISC الجزائرية
كما تضطلع هذه المراكز بمهمة إدارة الملكية الفكرية داخل مؤسسات التعليم العالي، من خلال السهر على تكييف واعتماد وتنفيذ سياسة الملكية الفكرية على مستوى الجامعات والمدارس الوطنية العليا.
ويُعد مركز دعم التكنولوجيا والابتكار بجامعة قسنطينة 3 صالح بوبنيدر نموذجاً رائداً في هذا المجال، إذ كانت الجامعة أول مؤسسة جامعية جزائرية تقوم بإعداد واعتماد سياسة جامعية للملكية الفكرية سنة 2021، وفق المبادئ التوجيهية المعتمدة من المنظمة العالمية للملكية الفكرية.
نحو مرحلة جديدة من نضج منظومة الملكية الفكرية في الجزائر
يعكس إطلاق النموذج الوطني لسياسة الملكية الفكرية وتعميمه على المستوى الوطني إرادة واضحة لبناء منظومة وطنية أكثر تنظيماً واستدامة في مجال الابتكار.
ولم يعد الرهان يقتصر على الحماية القانونية للاختراعات فحسب، بل أصبح يتمثل في ترسيخ ثقافة وطنية متكاملة للملكية الفكرية داخل المؤسسات الجامعية، تجعل من حماية المعرفة وتثمينها جزءاً أساسياً من منظومة البحث العلمي.
وفي ظل التحولات العالمية التي أصبحت فيها الأصول غير المادية أحد أهم عوامل التنافسية، تعمل الجزائر اليوم على تعزيز مكانة جامعاتها ليس فقط كمؤسسات للتعليم والبحث، بل أيضاً كحاضنات للتكنولوجيا، ومنتجة للابتكار، ومساهمة في خلق القيمة الاقتصادية ودعم التنمية المستدامة.

