حوار : د.فتحي عامر
============
على هامش مؤتمر القاهرة الخامس للملكية الفكرية.. مستشارة الملكية الفكرية وسام شحاته تفتح الصندوق الأسود وتقول ان كورونا عزلت أطفالنا.. والذكاء الاصطناعي يربك قوانين الصحة.. وهذا هو واقعنا العربي الذي يحتاج الذكاء الاصطناعي كمساعد فقط في الوظائف.
ووتقول وسام شحاته : بين جدران العزلة المفاجئة التي فرضتها جائحة كورونا، ولد جيل جديد يرى العالم من خلف شاشات زجاجية زرقاء. وبينما كانت التكنولوجيا “طوق نجاة” استمرت به الحياة والاقتصاد، تحولت في الوقت ذاته إلى “سلاح ذو حدين” يهدد سلامة الأطفال النفسية، ويعيد تشكيل مفاهيم الملكية الفكرية، بل ويضع الاستقرار المالي العالمي على محك الاختراقات السيبرانية.
في هذا الحوار الاستثنائي والجريء، نلتقي بالرئيس التنفيذي لشركة رشا خالد للملكية الفكرية , وسام شحاته،و المحامية المتخصصة بمجال الملكية الفكرية منذ عام 2006 والتي ترأست العديد من المناصب القيادية بشركات المحاماه المتحدة ، لتفكك لنا شفرات الواقع الرقمي المعقد. لا تتحدث مستشارتنا بلغة القانون الجافة، بل تمزج بين الأرقام الصادمة والتحليل الاجتماعي والنفسي، لتكشف لنا كيف أثرت الجائحة على نمو الأطفال، وما هي الإشكالية القانونية الكبرى التي يفرضها الذكاء الاصطناعي على قطاع الصحة وصناعة الدواء؟ وما هو الموقع الحقيقي للعالم العربي على خريطة التحول الرقمي بين ريادة خليجية وفجوات اقتصادية؟حوار يمس كل أب، وأم، ومبتكر، ومسؤول.. فإلى تفاصيل الحوار::
*أستاذة وسام، لندخل مباشرة في صلب الموضوع. مررنا جميعاً بفترة عصيبة خلال جائحة كورونا، لكن يبدو أن الأطفال كانوا الحلقة الأضعف. من خلال نظرتكِ وتحليلكِ، ما هي أبرز مساوئ فترة كورونا على الأطفال؟
** في الحقيقة، الجائحة لم تكن مجرد أزمة صحية عابرة، بل كانت هزة اجتماعية ونفسية للأطفال. لقد رصدنا آثاراً بالغة العمق يمكن تلخيصها في عدة جوانب منها الجوانب النفسية والسلوكية من خلال الحجر المنزلي المفاجئ وفقدان الروتين اليومي تسبب في ارتفاع معدلات القلق والاكتئاب بين الأطفال، وظهرت لديهم اضطرابات في النوم والتركيز، وتحول سلوك بعضهم إلى العدوانية نتيجة الكبت.وتعليمياً ومهارياً من خلال إغلاق المدارس والاعتماد الكامل على “التعليم عن بُعد” خلق فجوات تعليمية ضخمة. والأخطر من ذلك هو تأخر نمو الكلام والتواصل لدى الأطفال الصغار؛ لأنهم حُرموا من التفاعل الطبيعي مع أقرانهم في الحضانات ورياض الأطفال. وجسدياً وصحياً من خلال الجلوس الطويل أدى إلى انتشار السمنة وزيادة الوزن بسبب الخمول. فضلاً عن الأضرار الصحية المباشرة لمن أُصيبوا بالفيروس، مثل خطر الإصابة بـ “متلازمة التهاب الأجهزة المتعددة..فضلا عن ذلك اشارت احدي الدراسات الي ان الاطفال الذين عاشوا فترة كورونا اصيبوا بالفعل البعض منهم بالتوحد وهذا مرض خطير.
*هذا يقودنا إلى نقطة هامة جداً؛ فالإغلاق أجبر الأطفال والشباب على الارتماء في أحضان الشاشات، وأصبح الاعتماد على التكنولوجيا شبه كلي. ما هي خطورة هذا التحول الرقمي الإجباري؟
**التكنولوجيا كانت “طوق نجاة” لاستمرار التعليم والعمل، لكن الإفراط فيها له مساوئ كارثية. عندما يغرق الطفل أو الشاب في العالم الافتراضي، فإنه يصاب بـ الإدمان الرقمي. هذا الإدمان يضعف مهارات الحوار الواقعي، ويجعل الإنسان عاجزاً عن قراءة لغة الجسد أو تعابير وجوه الآخرين، مما يقلل من ذكائه العاطفي وقدرته على التعاطف. والأخطر قانونياً واجتماعياً، أن هذا الفضاء المفتوح يعرض الأطفال لمخاطر انتهاك الخصوصية والابتزاز الإلكتروني في غياب الرقابة الواعية.
*يتفق الكثيرون على أنه “لابد من الناس تتجمع وتتفاعل وتتعارف في الواقع العملي لأن التكنولوجيا لها مساوئ كبيرة”. كيف ترين أهمية التفاعل البشري المباشر مقارنة بالتواصل الافتراضي؟
**أصبت تماماً، وهذا هو مفتاح الحل. التفاعل الاجتماعي المباشر ليس رفاهية، بل هو أساس بناء الشخصية السوية. لو عقدنا مقارنة بسيطة
*بالحديث عن التطور التكنولوجي، نرى اليوم تطبيقات الذكاء الاصطناعي تتوغل بسرعة في قطاع الصحة، من تشخيص الأمراض إلى اكتشاف الأدوية. كيف يؤثر هذا التحول على حقوق الملكية الفكرية؟
** هذا هو السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه حالياً في الأروقة القانونية. الذكاء الاصطناعي يمثل “سلاحاً ذو حدين”؛ فهو محفز هائل للابتكار الطبي من جهة، ومربك للأنظمة القانونية التقليدية من جهة أخرى. ويمكننا رصد هذا الأثر في نقاط رئيسية.
*أزمة “هوية المخترع”: الأنظمة القانونية تشترط أن يكون المخترع بشرياً لمنح البراءة. لكن اليوم، تقوم الخوارزميات برسم تركيبات جزيئية معقدة لأدوية جديدة بشكل مستقل. هنا يثور تساؤل قانوني: لمن تعود الملكية؟ لمهندس البرمجيات، أم للشركة الطبية، أم للنظام الذكي نفسه؟
** بيانات المرضى كأسرار تجارية: تعتمد هذه الأنظمة على مليارات البيانات والصور الإشعاعية الطبية الحساسة لتدريب الآلات. من الناحية القانونية، تقع هذه البيانات تحت بند الأسرار التجارية وحماية الخصوصية، وهناك تحدٍ في حمايتها من الانتهاك. ولابد من تحديث التشريعات, نحتاج إلى أطر قانونية مرنة تعترف بالابتكارات المدعومة بالذكاء الاصطناعي لإيجاد توازن ذكي, يحمي استثمارات الشركات المبتكرة في المجال الطبي، ويضمن عدم احتكار هذه الخوارزميات لتظل الرعاية الصحية متاحة للبشرية جمعاء.
*أستاذة وسام، لننتقل إلى المشهد الأشمل. كيف تقرأين واقع التحول الرقمي في العالم العربي اليوم؟ وما هي أبرز الأرقام والتحديات التي تواجه منطقتنا؟
**المشهد الرقمي العربي شهد قفزة نوعية؛ حيث ارتفع الاتصال الرقمي ونمو عدد مستخدمي الإنترنت من 28.8% عام 2012 إلى 70.3% في عام 2024، ليصل عدد المستخدمين إلى 327 مليوناً. ومع ذلك، ما زال نحو 30% من سكان المنطقة مستبعدين من هذا التحول. إذا نظرنا بعمق، سنجد أن العالم العربي ينقسم رقميا إلى ثلاث مجموعات رئيسية: المجموعة الأولى (دول مجلس التعاون الخليجي): وهي الرائدة التي تمتلك مؤشرات تكنولوجيا معلومات تماثل الدول المتقدمة وتعد قدوة في هذا المجال.المجموعة الثانية: وتضم مصر، الأردن، تونس، لبنان، المغرب، والجزائر، وهي تخطو خطوات جادة وتواجه تحديات متفاوتة.المجموعة الثالثة: وتضم البلدان العربية الأقل نمواً، والتي تعاني من معوقات هيكلية، واقتصادية، وصراعات تعيق تقدمها الرقمي.
ورغم أن الشباب يمثلون 60% من إجمالي السكان في المنطقة وهناك انتشار واسع للهواتف الذكية، إلا أن الاقتصاد الرقمي العربي يمثل 4% فقط من إجمالي الناتج المحلي، وهو رقم متواضع مقارنة بالمتوسط العالمي الذي يتراوح بين 4.5% إلى 15.5%.
*هذه الفجوة الرقمية والاقتصادية تضعنا أمام تحديات حقيقية. ما هي أبرز التحديات، وما هو أثر هذا التحول على القطاع المالي؟
**الاعتماد على التحول الرقمي والتكنولوجيا المالية ساهم بشكل مذهل في تعزيز الشمول المالي. لقد مكنت التقنيات الحديثة مثل المدفوعات الرقمية، والتمويل الجماعي، وتحويل الأموال من تسهيل وصول الخدمات لكافة فئات المجتمع بسرعة وبتكلفة أقل، ودعمت مشاريع العمل الحر والمشروعات الصغيرة لمحاربة البطالة والفقر. تذكر أن حجم المعاملات المالية الرقمية عالمياً تضاعف تقريباً من 60 مليار دولار عام 2017 إلى 113 مليار دولار عام 2020، ويتوقع أن يضيف التحول الرقمي 100 تريليون دولار للاقتصاد العالمي بحلول نهاية عام 2025
ولكن في المقابل، يبرز التحدي الأكبر وهو الأمن السيبراني. الاعتماد شبه الكامل على الإنترنت جعل الشبكات المالية هدفاً مغرياً لقراصنة الإنترنت، وتزايدت الهجمات والاختراقات بشكل هائل، مما يهدد الاستقرار المصرفي والمالي
*ما هي الاستراتيجيات المستقبلية التي توصين بها لمواجهة هذه المخاطر الرقمية وحماية أمننا القومي والمالي وتقدميها لمؤتمر الملكية الفكرية ؟
**الحل يكمن في تطبيق توصيات “لجنة بازل للرقابة على المصارف” عبر تعزيز الحوكمة السيبرانية وإدراج تقييم الأمن السيبراني كجزء أساسي من الرقابة القائمة على المخاطر. الاستراتيجية المستقبلية يجب أن تركز على خمس نقاط أساسيةوهي:
بناء إستراتيجية أمن سيبراني واضحة ومحدثة لكل مؤسسة ودولة.1
تفعيل دور ومسؤولية الإدارة العليا في الإشراف على الأنظمة الأمنية.2
نشر ثقافة التوعية بالمخاطر السيبرانية بين الموظفين والمواطنين على حد سواء.3
الاستثمار في الهندسة والمعايير التقنية الدفاعية المتقدمة.4
ولابد تأهيل وتدريب القوى العاملة المتخصصة في مجال الأمن السيبراني لصد أي هجمات بكفاءة.
من اجل ذلك اقول بان التحول الرقمي هو المستقبل، ولكن الحماية القانونية والسيبرانية هي صمام الأمان لهذا المستقبل.

