=============
بقلم د. شيماء نشأت
=============
تبدأ صناعة المستقبل من المدرسة فالطفل الذي يرسم اليوم أو يكتب قصة أو يصمم شخصية أو يبتكر شيئًا جديدًا قد يصبح غدًا مصممًا أو مبتكرًا أو صانع محتوى أو رائد أعمال
ومن المهم أن يعرف الطفل منذ سنواته الأولى أن للإبداع قيمة وأن للمبدع حقوقًا وأن احترام أعمال الآخرين جزء من ثقافة الإبداع
ومن هنا يأتي تعليم الأطفال مبادئ الملكية الفكرية باعتباره خطوة يمكن أن تسهم في بناء جيل أكثر وعيًا بقيمة المعرفة والإبداع وأكثر استعدادًا للمشاركة مستقبلًا في اقتصاد يعتمد على الأفكار والابتكار
لماذا نبدأ من المدرسة؟
يقوم الاقتصاد الإبداعي على الأفكار والمعرفة والمهارات وعلى القدرة على تحويل الإبداع إلى منتجات وخدمات ومشروعات ويظهر ذلك في مجالات نراها حولنا كل يوم لذلك فإن تعليم الطفل كيف يبدع يمثل جانبًا من عملية أكبر فهو يحتاج أيضًا إلى أن يعرف أن التصميم الذي أبدعه هو نتيجة لجهده وأن العمل الذي صنعه شخص آخر يجب احترامه وأن الاستفادة من أعمال الآخرين تختلف عن نسخها ونسبها إلى النفس
ولا يحتاج الطفل في هذه المرحلة إلى دراسة القوانين أو حفظ المصطلحات القانونية الأهم أن يفهم الفكرة من خلال مواقف قريبة من حياته
فعندما يرسم شخصية من ابتكاره يمكن الحديث معه عن صاحب العمل وأهمية احترام إنتاجه
وعندما يستخدم صورة في مشروع مدرسي يمكن تعليمه أهمية معرفة مصدرها والتحقق من كيفية استخدامها بصورة مشروعة وعندما يختار الطلاب اسمًا لمشروع ويصممون له علامة يمكن تعريفهم بصورة مبسطة بأهمية الأسماء والعلامات في تمييز المشروعات والمنتجات بهذه الطريقة لا تصبح الملكية الفكرية موضوعًا قانونيًا بعيدًا عن الطفل بل مفهومًا يرتبط بما يصنعه ويشاهده ويستخدمه
الطفل في البيئة الرقمية
تزداد أهمية هذا الوعي مع الحياة الرقمية التي أصبحت جزءًا من عالم الأطفال
فالطفل لم يعد مجرد متلقٍ للمحتوى بل أصبح قادرًا على الرسم والتصوير والكتابة وصناعة الفيديو ونشر ما ينتجه وفي الوقت نفسه يستطيع الوصول إلى أعمال الآخرين وإعادة استخدامها ومشاركتها بسهولة
وهذا الواقع يجعل الوعي بالملكية الفكرية مرتبطًا أيضًا بالسلوك الرقمي
فالطفل الذي يتعلم احترام أعمال الآخرين سيكون أكثر وعيًا وفي الوقت نفسه عندما يدرك أن ما ينتجه بنفسه له قيمة يبدأ في النظر إلى إبداعه بصورة مختلفة
من الفصل إلى الاقتصاد الإبداعي
هنا تظهر العلاقة بين التعليم والاقتصاد الإبداعي المستدام
فالاقتصاد الإبداعي لا يستمر بمجرد وجود أفكار جديدة بل يحتاج إلى أشخاص قادرين على إنتاج المعرفة وتطوير أفكارهم وفهم قيمة ما ينتجونه وإدارته بطريقة تساعد على تحويل الإبداع إلى نشاط يمكن أن يستمر وينمو ولهذا يمكن أن يسهم بناء الوعي بالملكية الفكرية في مرحلة مبكرة في إعداد الإنسان الذي يقوم عليه هذا الاقتصاد
يعني ذلك بالضرورة إضافة مادة دراسية جديدة تحت مسمى الملكية الفكرية
يمكن دمج هذه المفاهيم في الأنشطة التعليمية الموجودة بالفعل وتقديمها بصورة تتناسب مع عمر الطفل واهتماماته
ففي الأنشطة الفنية يمكن ربط الإبداع باحترام أعمال الآخرين وفي مشروعات الابتكار يمكن تعريف الطفل بقيمة الفكرة وتطويرها وفي الأنشطة الرقمية يمكن تدريبه على التعامل مع الصور والنصوص والمحتوى بصورة تحترم حقوق أصحابها
المعلم شريك في بناء الوعي
لا يقتصر الأمر على الطفل وحده فالمعلم يؤدي دورًا مهمًا في تحويل المفاهيم التي قد تبدو قانونية إلى مواقف بسيطة يفهمها الطالب ويتفاعل معها ويساعد دعم المعلمين بأفكار وأنشطة مناسبة على تقديم الملكية الفكرية باعتبارها جزءًا من ممارسة الإبداع .
ويمكن أن يمتد هذا الوعي إلى مجالات مختلفة داخل المدرسة مثل الفنون والتكنولوجيا واللغة والمشروعات والأنشطة الطلابية وبهذا يصبح احترام الإبداع ممارسة يواجهها الطفل في أكثر من موقف
الوعي المبكر والاقتصاد الإبداعي في مصر
تحتاج تنمية الاقتصاد الإبداعي في مصر إلى الاستثمار في الإنسان الذي سيشارك في هذا الاقتصاد مستقبلًا وتعليم الطفل كيف يفكر ويبتكر جزء من هذا الاستثمار ويكتمل ذلك بتنمية وعيه بقيمة ما ينتجه وبحقوقه وبأهمية احترام إنتاج الآخرين
ولا ينبغي الانتظار حتى يصل الشاب إلى الجامعة أو يبدأ مشروعه أو يدخل سوق العمل حتى يتعرف للمرة الأولى على الملكية الفكرية فالوعي يمكن أن يبدأ مبكرًا ثم يتطور مع انتقاله من مرحلة تعليمية إلى أخرى
وهنا يمكن للمدرسة أن تسهم في بناء بيئة تدعم الإبداع والابتكار إلى جانب دورها في تقديم المعرفة
الاستثمار في مبدع الغد
الاقتصاد الإبداعي المستدام لا يبدأ فقط عندما يصل المنتج إلى السوق ولا تقتصر الملكية الفكرية على حماية الحقوق بعد ظهور المشكلات بل يبدأ الأمر من بناء وعي الإنسان بقيمة الإبداع
ومن هنا يصبح تعليم الأطفال مبادئ الملكية الفكرية استثمارًا في جيل يعرف قيمة ما يبدعه ويحترم إبداع الآخرين ويدرك أن ما يصنعه بعقله يمكن أن يتحول يومًا ما إلى قيمة اقتصادية.
فالاستثمار في وعي الطفل بالملكية الفكرية اليوم هو استثمار في مبدع الغد

