عندما يرسم الطفل صورة، أو يكتب قصة، أو يصمم شكلًا، ، فإنه يمارس الإبداع دون أن يعرف الملكية الفكرية.
لكن هل يعرف الطفل أن للعمل الذي أنجزه ؟
وهل يعرف أن الرسم أو القصة أو التصميم الذي أنجزه شخص آخر لا يصبح متاحًا له لمجرد أنه وجده على الإنترنت؟
تبدأ هنا الحاجة إلى تعريف الطفل بالملكية الفكرية منذ الصغر، بطريقة تناسب عمره وطريقة تفكيره.
الهدف أن يتعلم إحترام الإبداع، وأن يعرف أن لكل عمل صاحبه، وأن ما ينتجه هو أيضًا له قيمة.
الطفل مبدع يبدأ الطفل في ممارسة الإبداع منذ سنواته الأولى يصنع لعبة من أدوات بسيطة.
يرسم شخصية من خياله يكتب قصة. هذه المواقف اليومية يمكن أن تكون مدخلًا بسيطًا إلى الملكية الفكرية.
عندما يتعلم الطفل ألا يأخذ رسم زميله وينسبه إلى نفسه، فإنه يتعلم إحترام صاحب الإبداع .
وعندما يعرف أن الصورة الموجودة على الإنترنت لها صاحب، يبدأ في فهم أن المحتوى الذي يراه ليس بالضرورة متاحًا له ليستخدمه كيفما يشاء.
وعندما يصمم علامة لمنتج من ابتكاره، يمكن أن يتعرف إلى فكرة العلامة التجارية ووظيفتها.
بهذه الطريقة تصبح الملكية الفكرية أحد روافد المعرفة بحياة الطفل، وليست موضوعًا بعيدًا عن إهتماماته.
لماذا تبدأ التوعية من المدرسة؟
المدرسة من أكثر الأماكن التي يمارس فيها الطفل الإبداع.
فيها يرسم ويكتب ويشارك في المسابقات والمشروعات والأنشطة.
لذلك يمكن إدخال مفاهيم الملكية الفكرية في هذه الممارسات دون الحاجة في البداية إلى إضافة مادة دراسية مستقلة.
يمكن أن تكون حصة الرسم فرصة للحديث عن صاحب الإبداع والإبتكار .
ويمكن أن يكون مشروع الكتابة فرصة للحديث عن حق المؤلف.
ويمكن أن يكون نشاط التصميم فرصة للحديث عن حماية التصميم.
ويمكن أن تكون مسابقة الإبتكار فرصة للحديث عن الإختراع.
ويمكن أن تكون المشروعات الرقمية فرصة للحديث عن استخدام الصور والموسيقى والفيديوهات.
بهذا الأسلوب يتعلم الطالب المفهوم أثناء ممارسة النشاط.
من التلقين إلى التفاعل
لا يحتاج الطفل إلى محاضرة طويلة حتى يفهم معنى الملكية الفكرية. يمكن أن يبدأ التعلم من قصة أو موقف. طفل كتب قصة. ثم وجد شخصًا آخر ينشرها بإسمه.
من صاحب القصة؟
كيف يمكن للطفل أن يثبت أن العمل له؟
يمكن أن يتحول الموقف إلى نقاش داخل الفصل، ثم إلى نشاط يكتب فيه كل طالب قصة قصيرة بإسمه.
ويمكن إستخدام الألعاب والمسابقات والرسم والتمثيل والقصص والفيديوهات لتقديم مفاهيم الملكية الفكرية.
فالطفل يتعلم عندما يشارك. وما يمارسه يمكن أن يبقى في ذاكرته أكثر مما يحفظه من تعريفات.
منهج يختلف بإختلاف العمر
لا يمكن تقديم المفاهيم نفسها لطفل صغير وطالب في المرحلة الثانوية.
لذلك يمكن أن يبدأ المنهج من مفاهيم بسيطة ثم يتدرج.
في المرحلة الإبتدائية يمكن التركيز على الإبداع وصاحب العمل وإحترام أعمال الآخرين وعدم نسب عمل شخص آخر إلى النفس.
في المرحلة الإعدادية يمكن الإنتقال إلى حق المؤلف والعلامات التجارية والإختراعات والتصميمات الصناعية.
وفي المرحلة الثانوية يمكن ربط الملكية الفكرية بالإبتكار والمشروعات وريادة الأعمال.
عند هذه المرحلة يستطيع الطالب أن يفهم أن العمل الإبداعي أو الإبتكار يمكن أن تكون له قيمة تتجاوز الجانب الدراسي، وقد يتحول في المستقبل إلى مشروع أو منتج أو خدمة.
الطفل في العالم الرقمي
أصبح الطفل يتعامل مع المحتوى الرقمي بصورة يومية.
يشاهد الفيديوهات، يستخدم الصور، يستمع إلى الموسيقى، ينشئ محتوى خاصًا به، ويشارك أعماله مع الآخرين، وهنا تظهر أهمية أن يعرف أن وجود المحتوى على الإنترنت لا يعني أن إستخدامه متاح دون قيود.
قد يستخدم الطالب صورة في مشروع مدرسي. وقد يعيد نشر فيديو.
وقد يضيف موسيقى إلى محتوى ينتجه.
في كل هذه الحالات يحتاج إلى معرفة أن للمحتوى أصحابًا، وأن إستخدام أعمال الآخرين يجب أن يراعي حقوقهم.
وفي الوقت نفسه يجب أن يعرف أن ما ينتجه هو أيضًا يستحق التقدير.
غير أن المعلم أيضا هو جزء أساسي من التوعية
يحتاج المعلم إلى أدوات بسيطة حتى يستطيع تقديم المفاهيم بصورة مناسبة.
يمكن إعداد دليل للمعلم يحتوي على قصص قصيرة، ومواقف عملية، وأسئلة للنقاش، وأنشطة، ومسابقات، وأمثلة مرتبطة بالحياة اليومية للطلاب. ولا يشترط أن يتحول المعلم إلى متخصص في القانون.
المطلوب أن يمتلك أساسًا يساعده على توجيه الطالب إلى السلوك الصحيح.
ويمكن للمعلم أن يستفيد من النشاط الموجود في المنهج بدل أن يضيف عبئًا جديدًا على الحصة.
فإذا كان النشاط متعلقًا بالرسم، يمكن الحديث عن صاحب الرسم. وإذا كان متعلقًا بالتصميم، يمكن الحديث عن التصميم. وإذا كان متعلقًا بالابتكار، يمكن الحديث عن الإختراع.
وأيضا فأن الأسرة شريك في بناء ثقافة الطفل
عندما يشجع الوالدان الطفل على إنتاج عمله بنفسه، فإنهما يساعدانه على تقدير الإبداع.
وعندما يسألانه عن مصدر صورة أو معلومة أستخدمها في مشروعه، فإنهما يعلمانِه إحترام أعمال الآخرين.
وعندما يحافظان على رسوماته وكتاباته وتصميماته، فإنهما يرسخان لديه قيمة ما ينتجه.
لذلك لا ينبغي أن تقتصر التوعية على المدرسة فقط بل أيضا البيت والبيئة الرقمية تشترك في تشكيل سلوك الطفل.
والسؤال الذي يتبادر إلى الذهن.
هل نحن بحاجة إلى مادة دراسية مستقلة؟
يمكن القول أنه ليس من الضروري أن تبدأ التجربة بإضافة مادة جديدة إلى المناهج، بل يمكننا أن نبدأ تجربتنا من خلال الأنشطة الموجودةفالرسم يمكن أن يكون مدخلًا إلى حقوق المبدع، والكتابة يمكن أن تكون مدخلًا إلى حق المؤلف، وأيضاالتصميم يمكن أن يكون مدخلًا إلى التصميمات، والابتكار يمكن أن يكون مدخلًا إلى الإختراعات، والنشاط التجاري يمكن أن يكون مدخلًا إلى العلامات التجارية، والمشروعات الرقمية يمكن أن تكون مدخلًا إلى الإستخدام المسؤول للمحتوى.
وبعد تجربة هذا الأسلوب وتقييم نتائجه يمكن تحديد الخطوة التالية، سواء من خلال تطوير وحدات تعليمية أكثر تنظيمًا أو إعداد منهج مستقل في المراحل التي تحتاج إليه.
من إحترام الإبداع إلى حماية الإبداع
التوعية بالملكية الفكرية لا تهدف فقط إلى منع الطفل من نسخ أعمال الآخرين، بل تساعده على تقدير ما ينتجه بنفسه.
فقد يبدأ الطفل برسم بسيط. ثم يتعلم التصميم. ثم يطور فكرة، ثم يشارك في مسابقة للإبتكار.
ثم يكبر ليصبح مصممًا أو كاتبًا أو مخترعًا أو مبرمجًا أو صاحب مشروع. عندها تصبح المعرفة التي إكتسبها في طفولته أكثر أهمية. فهو يعرف أن العمل الإبداعي له قيمة. ويعرف أن حقوق الآخرين يجب إحترامها، لكي يكون قادرا على أستيعاب العلاقة بين الإبداع والإبتكار في إطار الملكية الفكرية.
ومن ثم تكون بداية التوعية بالملكية الفكرية من مرحلة الطفولةعندما يبدأ فيه الطفل ممارسة الإبداع ولا ينبغى الإنتظار حتى المرحلة الجامعية. ولا ننتظر حتى يبدأ مشروعًا، أو عندما يواجه مشكلة تتعلق بنسخ عمله، بل نبدأ معه في مراحله التعليمية الأولى والتي تبدأ من الحضانة وربما قبلها من خلال تعلم الرسم، أو كتابة قصة أو أنه يقوم بتصميم عمل معين أو أن يبتكر شيئ معين ومن استخدامه الأول للمحتوى الرقمي.
ويقوم التصور المقترح على منهج تدريجي يراعي العمر، وأنشطة تفاعلية، ومحتوى مبسطًا، ومشاركة المعلم والأسرة، مع إستخدام الوسائل الرقمية للوصول إلى الأطفال بطريقة تتناسب مع طبيعة حياتهم.
والهدف في النهاية ليس تعليم الطفل القانون، وإنما بناء ثقافة. ثقافة يعرف فيها الطفل قيمة فكرته.
ويحترم فكرة غيره. ويتعلم أن الإبداع مسؤولية وأن حماية الإبداع تبدأ من إحترامه. فإذا أردنا أن نبني جيلًا من المبدعين والمبتكرين، فمن المهم أن نبدأ قبل الجامعة. أن نبدأ من المكان الذي يولد فيه الإبداع، من البيت قبل أن نبدأ من المدرسة.

