هذه الأيام نعيش واقعًا غريبًا، وحياة لم نكن نتوقع أن نعيشها. أصبح الصديق الحقيقي نادرًا، وأصبحت الصحبة الطيبة شيئًا صعبًا، وصارت المحبة والاحترام كلمات نسمعها كثيرًا، لكننا لا نراها دائمًا في أفعال الناس.
تجلس مع شخص، فيحدثك بأجمل الكلام، ويبتسم لك، ويجعلك تشعر أن قلبه معك، بينما قد يكون في داخله شيء آخر تمامًا.
وقد يجلس معك شخص، يأكل ويشرب معك، ويضحك ويتحدث معك، بينما هو في الخفاء ينتظر فرصة ليؤذيك أو يوقعك في مشكلة.
ولم يعد الأمر بين الأصدقاء فقط؛ فقد تجد زميلًا في العمل يعاملك وكأنك أقرب الناس إليه، ثم تكتشف أنه عندما تغيب يتحدث عنك بسوء، ويدور على أخطائك، ويتمنى أن يراك تفشل.
وقد تصل الغيرة إلى أقرب الناس.
أخت تغار من أختها لأن الله رزقها بزواج جيد، وأخ يحاول أن يفسد علاقة أخيه، وشخص لا يحب أن يرى الخير في حياة غيره، وكأن نجاح الآخرين يقلل من نجاحه هو.
وهنا نسأل:
إلى أين نحن ذاهبون؟
هل أصبحت الحياة منافسة بلا أخلاق؟
هل أصبح إسقاط الآخرين نجاحًا؟
هل أصبح بيع الصديق، أو إفساد علاقة بين شخصين، أو إرضاء شخص على حساب شخص آخر، نوعًا من الذكاء والشطارة؟
الحقيقة أن هذا ليس نجاحًا.
هذا فشل في الأخلاق وفي الإنسانية.
فالإنسان لا يأخذ أكثر من رزقه، ولا يستطيع أحد أن يمنع عنك ما كتبه الله لك.
ومن يظن أن رزقه سيزيد إذا ظلم غيره، أو أن مكانته ستكبر إذا أسقط شخصًا آخر، فهو لم يفهم الحياة جيدًا.
كم من إنسان حارب غيره من أجل منصب، ثم اكتشف أن المنصب لا يدوم.
وكم من إنسان أفسد علاقة بين اثنين، ثم وجد نفسه وحيدًا.
وكم من إنسان خان صديقًا من أجل مصلحة، ثم جاء يوم احتاج فيه إلى من يقف بجانبه، فلم يجد أحدًا.
وكم من إنسان قضى عمره يبحث عن أخطاء الناس، ونسي أن ينظر إلى أخطائه هو.الحياة ليست هكذا.
في النهاية، لا يبقى للإنسان إلا أثره في الناس، وما فعله أمام الله.
لا المال يبقى، ولا المنصب يدوم، ولا كلام الناس يستمر، ولا يوجد نجاح حقيقي يقوم على إيذاء الآخرين.
الأجمل أن تنجح دون أن تؤذي أحدًا.
وأن تصل إلى ما تريد دون أن تمنع غيرك من الوصول.
وأن تفرح بنجاحك دون أن تتمنى فشل غيرك.
أن ترى الخير في حياة أخيك فتقول:
ربنا يزيده.
وأن ترى صديقك ينجح فتفرح له من قلبك.
وأن تجد إنسانًا يمر بمشكلة، فتقف بجانبه بدلًا من أن تستغل ضعفه.
وأن يحكي لك شخص سرًا، فتحفظ سره حتى لو أختلفت معه.
هذه هي الأخلاق الحقيقية. وهذه هي القيم التي تجعل الناس والمجتمعات أفضل.
أما أن يعيش الإنسان طوال عمره يفكر: من قال؟ ومن أخطأ؟ ومن فشل؟ ومن نجح؟ ومن أستطيع أن أوقعه في مشكلة؟
فهذه ليست حياة.
هذه حياة مليئة بالقلق والخوف والعداء.
والغريب أننا نعيش في زمن كثرت فيه وسائل التواصل، لكن قلّ فيه التواصل الحقيقي.
كثرت العلاقات، لكن قلت الصداقة.
كثر الكلام عن المحبة، لكن قلّ الوفاء.
وكثر الحديث عن النجاح، ونسينا أن النجاح الحقيقي ليس أن تنتصر على الناس، بل أن تنتصر على نفسك، وعلى أنانيتك، وعلى غيرتك، وعلى رغبتك في إيذاء من حولك.
ولعل أجمل ما يمكن أن يتعلمه الإنسان في هذا الزمن هو الصمت.
ليس صمت الضعيف، ولكن صمت الإنسان الذي يعرف قيمته.
أعمل في هدوء، ودع عملك يتحدث عنك.
وأجعل علاقتك بالله أمرًا خاصًا بينك وبينه.لا تشرح نفسك لكل الناس.
ولا تبحث عن رضا الجميع.
ولا تحاول أن تثبت قيمتك لمن قرر ألا يقدرك.
أفعل الخير، واترك أثرًا طيبًا، واجعل بينك وبين الله عملًا لا يعرفه أحد.
فالناس تتغير، والمواقف تكشف حقيقة الأشخاص، والمصالح تنتهي، لكن ما بين الإنسان وربه يبقى.
وفي زمن أصبح فيه الغدر سهلًا، كن وفيًا.
وفي زمن أصبحت فيه الخيانة لها أعذار كثيرة، كن أمينًا.
وفي زمن أصبح فيه الكذب عند البعض نوعًا من الذكاء، كن صادقًا.
وفي زمن يظن فيه البعض أن إسقاط الآخرين هو طريق النجاح، ساعد غيرك على الوقوف.
فالدنيا في النهاية ليست ملكًا لأحد.
وما تفعله بالناس اليوم قد يعود إليك غدًا.
لذلك لا تبحث عن عدد كبير من الأصدقاء، بل ابحث عن صديق صادق.
ولا تبحث عن شخص يملأ وقتك بالكلام الجميل، بل عن شخص تثق به عندما تحتاج إليه.
ولا تحكم على الناس من كلامهم أمامك، بل من أفعالهم عندما تغيب.
وفي النهاية، ربما لا نحتاج أن نفهم كل الناس.
نحن نحتاج أولًا أن نفهم أنفسنا، وأن نعرف أين نقف، وماذا نريد، وما المبادئ التي نؤمن بها.
فقد أصبح الخطأ عند البعض صوابًا، والصواب خطأً.
وأصبح الوفاء سذاجة، والخيانة شطارة، والصراحة قسوة، والنفاق مجاملة، وأصبح البعض يرى أن النجاح هو أن تهزم غيرك.
لكن الحقيقة لا تتغير لأن بعض الناس تغيروا.
الحق يظل حقًا، والباطل يظل باطلًا، والأخلاق لا تصبح قديمة لأن البعض تركها.
والأيام تمر بسرعة، ولا أحد يعرف متى تكون الصفحة الأخيرة في حياته.
لذلك اختر أن تترك وراءك سيرة طيبة.
أترك قلوبًا لا تحمل منك أذى.
واترك أشخاصًا إذا ذكروك قالوا:
كان إنسانًا صادقًا…
لم يبع أحدًا،
ولم يطعن أحدًا،
ولم يفرح في وجع أحد.
وهذا في زمن غريب كهذا ليس شيئًا قليلًا…
بل ربما يكون أعظم نجاح.

