تشرّفت بدعوة كريمة للمشاركة في أعمال المؤتمر العربي الخامس للملكية الفكرية، والذي عُقد بالقاهرة تحت عنوان «أثر حماية حقوق الملكية الفكرية على القطاع الصحي في عصر الذكاء الاصطناعي». وقد جاء هذا المؤتمر في وقت استثنائي يشهد فيه القطاع الصحي والبحثي تحولات جذريّة بفعل تطبيقات الذكاء الاصطناعي، مما يضع مكاتب نقل التكنولوجيا والجامعات والمؤسسات البحثية أمام مسئوليات جبارة لإدارة هذه الأصول الفكرية الرقمية بأساليب غير تقليدية.”
إن «إعلان القاهرة 2026» وضع حجر الأساس لتحديث التشريعات واستيعاب الذكاء الاصطناعي في الابتكار الصحي، ومن واقع عملنا اليومي في إدارة الابتكار ونقل التكنولوجيا بجامعة النيل، أرى ضرورة التركيز على المحاور التالية لضمان تحويل توصيات المؤتمر إلى واقع ملموس:
تفعيل أطر حوكمة الملكية الفكرية داخل الجامعات والمراكز البحثية:
لا يقتصر التحدي على وجود قوانين وطنية فحسب، بل يتطلب وضع سياسات داخلية (Institutional IP Policies) صريحة داخل المؤسسات الأكاديمية والبحثية لتحديد ملكية البيانات والمخرجات الناتجة عن نماذج الذكاء الاصطناعي، وتوضيح نسبة الإسهام البشري لضمان سهولة تسقيعها وتسجيلها.
بناء نماذج مرنة لترخيص وتكاليف التكنولوجيا الطبية (Tech Transfer & Licensing Models):
نحتاج إلى تبني سياسات ترخيص مبتكرة تجمع بين الربحية التجارية وضمان “الوصول العادل” للتقنيات الصحية والأدوية، لا سيما الناتجة عن خوارزميات الذكاء الاصطناعي، من خلال نماذج مثل (الترخيص التعاوني والتجميع الطوعي للبراءات) لدعم الإنتاج المحلي والإقليمي.
حماية الأسرار التجارية وقواعد البيانات الصحية:
في عصر الذكاء الاصطناعي، لا تمثل براءات الاختراع سوى جزء من الحل؛ بل إن البيانات الضخمة (Big Data) وقواعد البيانات الطبية المجهزة هي النفط الجديد للابتكار. لذا ينبغي تعزيز حماية الأسرار التجارية والبيانات الحساسة كأصول فكرية قائمة بذاتها مع مراعاة الخصوصية والأخلاقيات الطبية.
الاستفادة الميدانية من “اتفاقية الويبو للموارد الوراثية 2024”:
تأكيداً على التوصية الختامية للمؤتمر، من الضروري ربط الأبحاث الأكاديمية القائمة على النباتات والموارد الوراثية المحلية بآليات واضحة للإفصاح عن المصدر وتقاسم المنافع، لضمان صون الحقوق الوطنية والتطوير الدوائي المعتمد على الطب المكمل والمعارف التقليدية.
تأهيل كوادر بشرية متخصصة في إدارة الملكية الفكرية للذكاء الاصطناعي:
دعماً للتوصيات الخاصة ببناء القدرات، نوصي بتنفيذ برامج تدريبية وتطبيقية مشتركة بين مكاتب نقل التكنولوجيا (TTOs) بالجامعات العربية، لتدريب أخصائي الملكية الفكرية والباحثين على كيفية صياغة طلبات البراءات وتقييم الجدة للابتكارات المدعومة بالذكاء الاصطناعي.
ختاماً:
كل الشكر والتقدير للمنظمة العربية للتنمية الإدارية بجامعة الدول العربية، وجمعية الإمارات للملكية الفكرية، والجامعة المصرية اليابانية للعلوم والتكنولوجيا على حسن التنظيم والثراء العلمي للمؤتمر. ونحن في مكتب الملكية الفكرية ونقل التكنولوجيا بجامعة النيل على أتم الاستعداد للشراكة والتعاون المباشر مع كافة الجهات المعنية لتطبيق هذه التوصيات وتحويل الأفكار والابتكارات الصحية إلى حلول ملموسة تخدم صحة الإنسان العربي وتدعم الاقتصاد القائم على المعرفة.
& الكاتبة : مدير إدارة الملكية الفكرية بجامعة النيل

